العيني

47

عمدة القاري

أي : يخافه . وقوله : ( جدي ) هو جد عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ، وعباية الذي هو أحد الرواة يحكي عن جده رافع بن خديج أنه قال : نرجو ، أو قال : إنا نخاف ، والرجاء هنا بمعنى الخوف . قوله : ( مدي ) ، بضم الميم ، جمع مدية وهي السكين . قوله : ( أفنذبح بالقصب ؟ ) وفي رواية لمسلم : فنذكي بالليط ، بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وبالطاء المهملة : هي قطع القصب ، قاله القرطبي . وقال النووي : قشوره ، الواحد ليطة . وفي ( سنن أبي داود ) : أنذكي بالمروة . فإن قلت : ما معنى هذا السؤال عند لقاء العدو ؟ قلت : لأنهم كانوا عازمين على قتال العدو وصانوا سيوفهم وأسنتهم وغيرها عن استعمالها ، لأن ذلك يفسد الآلة ، ولم يكن لهم سكاكين صغار معدة للذبح . قوله : ( ما أنهر الدم ) ، أي : ما أسال وأجرى الدم ، وكلمة : ما ، شرطية وموصولة ، والحكمة في اشتراط الإنهار التنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها ، ويقال : معنى أنهر الدم أساله وصبه بكثرة ، وهو مشبه بجري الماء في النهر ، وعند الخشني : ما انهز ، بالزاي ، من النهز ، وهو الدفع وهو غريب . قوله : ( فكلوه ) الفاء جواب الشرط أو لتضمنه معناه . قوله : ( ليس السن والظفر ) ، كلمة : ليس ، بمعنى إلاَّ ، وإعراب ما بعده النصب . وقال صاحب ( التلويح ) : هما منصوبان على الاستثناء : بليس ، وفيه ما فيه . قوله : ( فسأحدثكم ) ، أي : سأبين لكم العلة في ذلك ، وليست السين هنا للاستقبال بل للاستمرار ، كما في قوله تعالى : * ( ستجدون آخرين ) * ( النساء : 19 ) . وزعم الزمخشري أن السين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة . قوله : ( أما السن فعظم ) ، قال التيمي : العظم غالباً لا يقطع إنما يجرح ويدمي فتزهق النفس من غير أن يتيقن وقوع الذكاة ، فلهذا نهى عنه ، وقال النووي : لا يجوز بالعظم لأنه يتنجس بالدم ، وهو زاد إخواننا من الجن ، ولهذا نهى عن الاستنجاء به . وقال البيضاوي : هو قياس حذف عنه فقدمه الثانية لظهورها عندهم وهي أن كل عظم لا يحل الذبح به قوله ( وأما الظفر فمدى الحبشة ) المعنى فيه أن لا يتشبه بهم لأنهم كفار ، وهو شعار لهم . وفي الحديث : من تشبه بقوم فهو منهم ، رواه أبو داود . وقال الخطابي : ظاهره يوهم أن مدى الحبشة لا تقع بها الذكاة ، ولا خلاف أن مسلماً لو ذكى بمدية حبشي كافر جاز ، فمعنى الكلام : أن أهل الحبشة يدمون مذابح الشاة بأظفارهم حتى تزهق النفس خنقاً وتعذيباً ويحلونها محل الذكاة ، فلذلك ضرب المثل به . ذكر ما يستفاد منه : وهو على أنواع : الأول : عدم جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة عند الانتهاء إلى دار الإسلام . الثاني : فيه جواز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم ، وبه قال مالك والكوفيون ، وأبو ثور إذا كان ذلك على التراضي . وقال الشافعي : لا يجوز قسم شيء من الحيوان بغير تقويم ، قال : إنما كان ذلك على طريق القيمة ، أَلاَ ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير ، وهذا معنى التقويم . وقال القرطبي : وهذه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل والغنم ، ولو كان فيها غير ذلك لقوم جميعاً وقسمه على القيمة . الثالث : فيه أن ما ند من الحيوان الإنسي لم يقدر عليه جاز أن يذكي بما يذكى به الصيد ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وطاووس وعطاء والشعبي والأسود بن يزيد والنخعي والحكم وحماد والثوري وأحمد والمزني وداود ، وقال النووي : والجمهور ذهبوا إلى حديث أبي العشراء عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ! أما تكون الذكاة إلاَّ في اللبة والحلق ؟ قال : لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك . قلت : حديث أبي العشراء رواه الأربعة ، فأبو داود عن أحمد بن يونس عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء ، والترمذي عن أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة ، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن حماد بن سلمة . وقال الترمذي بعد أن رواه : قال أحمد بن منيع : قال يزيد هذا في الضرورة ، وقال أيضاً : هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث حماد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث ، واختلفوا في اسم أبي العشراء ، فقال بعضهم : اسمه أسامة بن قهطم ، ويقال : يسار بن برز ، ويقال : ابن بلز ، ويقال : اسمه عطارد ، وقال أبو علي المديني : المشهور أن اسمه أسامة بن مالك بن قطهم ، فنسب إلى جده ، وقهطم بكسر القاف وسكون الهاء والطاء المهملة ، وقال ابن الصلاح فيما نقله من خط البيهقي وغيره بكسر القاف ، وقيل : قحطم بالحاء المهملة ، وقال مالك وربيعة والليث : لا يؤكل إلاَّ بذكاة الإنسي بالنحر أو الذبح ، استصحاباً لمشروعية أصل ذكاته ، لأنه ، وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع